الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذا الكلام يجوز أن يكون مرادا به مجرد الإخبار عن عظمة اللّه تعالى وكماله ويجوز أن يكون مع ذلك إنشاء ثناء على اللّه أثناه على نفسه ، وتعليما للناس كيف يثنون على اللّه ويحمدونه كما في الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] : إمّا على وجه الكناية بالجملة عن إنشاء الثناء ، وإمّا باستعمال الصيغة المشتركة بين الإخبار والإنشاء في معنييها ، ولو صيغ بغير هذا الأسلوب لما احتمل هاذين المعنيين ، وقد تقدم في قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [ الفرقان : 1 ] . وجعل المسند إليه اسم موصول للإيذان بأن معنى الصلة ، مما اشتهر به كما هو غالب أحوال الموصول فصارت الصلة مغنية عن الاسم العلم لاستوائهما في الاختصاص به إذ يعلم كل أحد أن الاختصاص بالملك الكامل المطلق ليس إلّا للّه . وذكر الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ هنا نظير ذكر مثله عقب نظيره في قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ إلى قوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الفرقان : 1 - 2 ] . والباء في بِيَدِهِ يجوز أن تكون بمعنى ( في ) مثل الباء التي تدخل على أسماء الأمكنة نحو وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [ آل عمران : 123 ] وقول امرئ القيس : بسقط اللوى فالظرفية هنا مجازية مستعملة في معنى إحاطة قدرته بحقيقة الملك ، والملك على هذا اسم للحالة التي يكون صاحبها ملكا . والتعريف في الْمُلْكُ على هذا الوجه تعريف الجنس الذي يشمل جميع أفراد الجنس ، وهو الاستغراق فما يوجد من أفراده فرد إلّا وهو مما في قدرة اللّه فهو يعطيه وهو يمنعه . واليد على هذا الوجه استعارة للقدرة والتصرف كما في قوله تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [ الذاريات : 47 ] وقول العرب : ما لي بهذا الأمر يدان . ويجوز أن تكون الباء للسببية ، ويكون الْمُلْكُ اسما فيأتي في معناه ما قرر في الوجه المتقدم . وتقديم المسند وهو بِيَدِهِ على المسند إليه لإفادة الاختصاص ، أي الملك بيده لا